محمد سعيد رمضان البوطي

9

فقه السيرة ( البوطي )

اليافعة إلى الإرهاصات الخارقة التي صاحبت مراحل طفولته وشبابه ، إلى بعثته وظاهرة الوحي التي تجلت في حياته ، إلى أخلاقه وصدقه وأمانته ، إلى الخوارق والمعجزات التي أجراها اللّه تعالى على يده ، إلى مراحل الدعوة التي سار فيها لتلبية أمر ربه ، من سلم ، فدفاع ، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى اللّه تعالى أي تهديد ، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التي أوحي بها إليه ، قرآنا معجزا يتلى ، وأحاديث نبوية تشرح وتبين . لقد كان العمل التاريخي إذا بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته صلى اللّه عليه وسلم ، ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله . ومن حيث الرجال وتراجمهم ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه ، أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار بعد القبول التام لها : فعمل علمي آخر لا شأن له بالتاريخ . وما ينبغي أن يمزج به بحال من الأحوال . إنه عمل علمي متميز ، ومستقل بذاته . ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والمبادئ من تلك الأحداث ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية التي يعبر عنها أمثال وليم جيمس بإرادة الاعتقاد . من هذه القواعد : القياس الاستقرائي . وقانون الالتزام بأنواعه المختلفة . والدلالات بأنواعها . . إلخ . ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية طبقا لهذه القواعد أحكام كثيرة : منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين . ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك . والمهم في هذا الصدد : أن نعلم بأنها جاءت منفصلة عن التأريخ وتدوينه . بعيدة عن معناه ومضمونه . وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخرى نهضت في حد وجودها على البنيان التاريخي الذي قام بدوره على القواعد العلمية التي ذكرناها . السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة في كتابة التاريخ : في القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه . إلى جانب الطريقة الموضوعية أو ما يسمونه بالمذهب العلمي . وقد تلاقى معظم هذه المذاهب فيما أطلق عليه اسم المذهب الذاتي . ويعد « فرويد » من أكبر الدعاة إليه والمتحمسين له . ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على أبطالها . . بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ . لا مجرد وصف الأخبار وتجميع الوقائع العارية .